الحسن بن محمد البوريني
114
تراجم الأعيان من أبناء الزمان
وذكر لي قصّة عجيبة تدلّ على كمال خفة عقول النصارى . وهي أنّ أهل مالطة عندهم صنم كبير من الذهب مرصّع بالجواهر يعظّمونه بحيث يعبدونه ، وله خدّام من رهبانهم وقسّيسيهم ، وفي كل سنة يأخذ الصّنم المعبود رجل منهم ويلقيه في بستان بين زهر الفول ، ويقول للملوك بها والأمراء ولبقية عوامّ الناس : إن ربّكم قد غضب عليكم ورحل عنكم . فيجدون لذلك من الألم ما لا يعلمه إلّا اللّه جلّ وعلا . ويلبسون خشن الثياب ، ويأتون إلى الراهب الذي أخبرهم بغيظ معبودهم ويقولون له : كيف السبيل إلى أن ترضّي معبودنا علينا ؟ وكيف الطريق إلى رجوعه الينا ؟ فيقول لهم : ما آن الأوان ، ولا قرب الزمان « 1 » . فيستمرون على الحزن والألم والصيام ولبس خشن الثياب ثلاثة أيام أو ما قاربها ، ويجمعون أموالا كثيرة للرهبان الذين يخدمون ذلك الصنم ، إلى أن يقول لهم الراهب الموكّل به : اليوم يرضى عليكم ويرجع . فيخرجون لاستقباله ، ويذهب الراهب ويأتي به من موضعه ، ويدخل به المدينة بشهرة عظيمة واستقبال عامّ ، إلى أن يدخله إلى مكانه وعند ذلك تطمئن قلوبهم ويفرحون بعود معبودهم إليهم ورضاه عليهم . فنعوذ باللّه تعالى من هذا الفعل السخيف الذي لا يرضى به من في عقله ذرّة من الصّحة . اللّهم ثبّتنا على الإيمان ، واجعلنا من أهل التوحيد والايقان بلطفك وعنايتك يا أرحم الراحمين . وأما أبو بكر فإنه صاحبنا وصديقنا ، وتلميذنا ورفيقنا . قرأ عليّ في أوائل أمره . ولازمني في صدر عمره . وصارت له معرفه كاملة بالعربيّة ، والفنون الأدبيّة . وله شعر حسن ، فمن ذلك ( 28 جهنىّ ) قوله : يا منزلا بفراديس الشآم سقى * ربا مغانيك هطّال يروّيها
--> ( 1 ) ب « الرضا »